Uncategorized

مقالة عن الحب الحقيقي

   لا شيٌ يُنَمِّي الحبّ بين اثنين مثل التّعبير عنه، إذ نحن مَفطورون على الرّغبة في أن نكون مَحبوبين ومَقبولين من الآخرين وبخاصّة المُهمِّين لنا… وعِباراتُ الحبِّ بين الزّوجين تَسُرُّ الرّجل كما تَسُرُّ المرأة، لكن قَلَّما سمعت رجلاً يَشتكي مِن أنَّ زوجته لا تُعبِّر له عن حبِّها، ولا تُسمعه من الكلام ما يُطمئنه إلى أنَّها تُحبّه، لكن بالمُقابل فإنَّ الشّكوى مِن أنَّ الزّوج لا يَفوه بِعباراتِ الحبِّ والغَزل شكوى سَمِعتُها من زوجاتٍ كثيراتٍ، ولعلَّ هذا يَدُلُّ فيما يَدُلُّ عليه، يَدُلُّ على أهميَّة الزّوج والحياة الزّوجيّة لدى بعض النِّساء، حيث تكون الحياة الزّوجيّة لَهُنَّ هي كلّ شيء، ويَدُلُّ أيضاً على اعتماديّةٍ زائدةٍ لدى النِّساء اللّواتي يَشعرنَ بالحاجة إلى سماعِ كلماتِ الحُبِّ صباحَ مساء من أزواجهنَّ؛ إنَّ حاجتَهُنَّ الزّائدة هذه إلى التّطمين المُتكرِّر من أزواجِهنَّ إلى أنَّهنَّ مَحبوبات قد تَعكس قلقاً زائداً لهُنَّ من ألّا يَكُنَّ مُهماتٍ لأحدٍ، وبالتّالي من ألّا يَكُن لَهُنَّ قيمة في هذه الحياة، أو مِن أنَّهنَّ قد يَخسَرنَ أزواجهنَّ بأن يَميلَ قلبُ الزّوج إلى غيرهنَّ. ونتيجة اعتماديَّتهنَّ الزّائدة، وتَصورهنَّ أنَّه دون رعاية الآخرين لهنَّ ستكون حياتهنَّ شقاءً، فإنَّهنَّ يَسعَينَ دائماً إلى ما يُهدِّئ قَلقَهنَّ، فيَطلبْنَ الإقرارَ المُتكرِّر من أزواجهنَّ بأنّهم يُحبونَهنَّ… إذن اختلاط الاعتماديّة الزّائدة لدى الزّوجة مع الحاجة الطّبيعيّة إلى أن تكون محبوبةً يَجعل منها زوجةً كثيرةَ السُّؤال لزوجها “هل تُحبّني؟” وتَطلُب منه أن يُسْمِعَها قولة “أحبُّك” وما شابهها بكثرةٍ.

     الأزواج كثيراً ما يتهرَّبون من هذه المواقف مع زوجاتهم وذلك بأن يُبرِّروا عدم تَعبيرهم عن الحبِّ لزوجاتهم بأنّه لا حاجة للكلمات، إنَّما هي الأفعال، ولو أنَّه لم يَكن يُحبّها لمَا أبقى عليها زوجةً له؛ ويَتَذَمَّر هؤلاء الأزواج من إلحاح زوجاتهم المُتكرِّر في السُّؤال عن حبِّهم لهُنَّ. 

     بعض الأزواج والزّوجات لم يتعوَّدوا منذ طفولَتهم على التّعبير عن مشاعرهم للآخرين سواء مشاعر الحبِّ أو الكُرهِ أو مشاعرَ الرِّضا أو الغضبِ أو السُّخطِ، وهذا يُشبه الخَجل في المواقف الاجتماعيّة، وحلّه يكون بالتّشجُّع والتّعبير للطّرف الآخر عن مشاعر الحب، وقد تكون الصّعوبة في المرّة الأولى، لكن ما أن يَبدأ الإنسان حتّى يَهونَ الأمر عليه، وبتكرار التّعبير، تَعود إليه القُدرَة الطّبيعيّة على التّعبير عن مشاعره.

     وأعودُ لِمَن يَقول إنَّه لا داعي للتّعبير عن الحبِّ بالكلام، ويَدَّعي أنَّ أفعاله تَدلُّ عليه، وليس هُنالك من أفعالٍ إلّا أنَّه مُستمرٌّ معها كزوجةٍ ولَم يُطَلِّقها أو يُفكِّر بتطليقها بجدِّيَّة… لو كان يُعبِّر عن حبِّه لزوجته بالتّقبيل والعِناق وما شابه من أفعالٍ دون أن يكون ذلك مقصوراً على اللِّقاء الجنسي، لقُلنا إنَّ مثل هذه الأفعال قد تكونُ أفصح وأبلغ من الأقوال… لكن عادةً تكون هذه الأفعال المُعَبِّرة عن الحبِّ غائبةً أو نادرةً جداً بعيداً عن المُناسباتِ الجِنسيَّة.

     والحقيقة الّتي بيَّنَتْها الدِّراسات النَّفسيَّة الاجتماعيّة في الدّول الغربيَّة، أنَّ الحبَّ الرُّومانسي الّذي يَسبُق الزّواج عندهم لا يَدوم طويلاً بعدَ الزّواج، بل يَحِلُّ مَحَلّه حبٌّ يُسَمّى “حبُّ الرِّفْقَة”، أي الرِّفْقَة بين الزّوجين في هذه الحياة، وهو أهدأ بكثيرٍ من الحبِّ الرُّومانسي، وقد يُفسِّره البعض تفسيراً خاطئاً فَيَظُنُّون أنَّ الحبَّ قد انتهى بينهما، إذ لا يَتخيَّلون صورةً للحُبِّ إلّا الحبّ الرُّومانسي.

     إن غياب عبارة الحبِّ من حياة الكثير من الأزواج والزّوجات لا يَعودُ إلى هذا التّغيُّر في طبيعة الحبِّ بينهما، بل هو في الأغلب ناتجٌ إمّا عن غياب الحبِّ منذ البداية وتَعَسُّر نشوئه بعد الزّواج لغياب الانسجام بين الزّوجين، أو ناتجٌ عن نقصٍ في الحبِّ إن لم يكن موتاً لهذا الحبِّ بعد أن كان موجوداً، وذلك نتيجة عوامل أثَّرت على مشاعر أحد الزّوجين تجاه الآخر، أوّلها حدوثُ نَقص وتراجع في مقدارِ الإعجاب بينهما؛ والإعجاب يقوم على التّشابه في الطِّباع والثّقافة والمُيول والاهتمامات والنّظرة إلى الحياة إضافة إلى الجاذبيّة الجسديّة، وبعدَ الزّواج يَمُرُّ الزّوجان بما يُسمِّيه العُلماء التّحرُّر من الوَهمِ بما يَخصُّ نظرة كلّ منهما إلى الآخر، ففي المرحلة الرّومانسيّة يَنظُر كلٌّ منهما إلى الآخر نظرةً يراه فيها مثاليّاً، لكن بعد الزّواج يَكتشِف أنَّه عاديٌّ، وهُنا تَبرُز العيوب وتُصبِح واضحةً مَرئيَّةً، فإن كانت كثيرةً فإنَّها تُقلِّل الإعجاب كثيراً وتُضعف الحب. والعامل الهام الثّاني الّذي يُمكِن أن يُضعِف الحبّ بين الزّوجين هو الإساءات الّتي يتلقّاها أحدهما من الآخر، والإحباطات الّتي يُسبِّبُها أحدهما للآخر، فالّتي يَقِف زوجها عائقاً في طريق سعادتها وتحقيقها لذاتها، أو الّتي يُهينها ولا يَحترمها، أو الّتي يَشتمها ويَضربها، فإنَّ كلّ ذلك يَترُك في نفسها مشاعر غيظٍ وسخطٍ تَجعل من الصّعب عليها أن تُحبَّه بنفس القَدْر الّذي كانت تحبّه به من قبل؛ وكذلك الزّوجة الّتي لا تُطيع زوجها في أمور البيت والأطفال وتَصرُّ على مُخالفته بحجَّة أنَّها لَم تَقتَنِع برأيه، أو الّتي تَستَغلُّ لحظةَ إقباله عليها عندما يُريد مُعاشرتها مُعاشرةَ الأزواج فتَستَوقِفه لِتَفرض عليه شروطاً مُعَيَّنةً أو لِتَنتَزِعَ منه وعوداً بتحقيق رغباتٍ وطلباتٍ مُعَيَّنةٍ تَعرِف أنَّه لَن يُوافِق عليها بسهولةٍ، أو غير ذلك… هذه الزّوجة تُثير في نفس زوجها مشاعر الغَيظ تجاهها، وهذا الغَيظ يُعيقُ إحساسه بالحبِّ نحوَها، لأنَّ الحبَّ موقفٌ يتّخذه الإنسان تعبيراً عن الشُّكر لِمَن أحسن إليه وأعجب هو به، فإن قلَّ الإعجابُ وحلَّ مَحلَّه النُّفور من صفاتٍ أو طباعٍ في الطّرف الثّاني، أو قلَّ الإحسانُ وحَلَّت محلّه الإساءة، أو كانت المُصيبتان مُجتمعتين معاً، فكيف للإنسان أن يحسَّ بالحبِّ الكافي لينطلِق لسانه بكلماتِ الحبِّ والغَرام دون أن يكون كاذباً مُنافقاً، وفي الغالب فإنَّ الإنسانَ لا يَجِد نفسه مُضطرَّاً للكَذب أو النِّفاق لزوجه أو زوجته، وبالتّالي لا يُعبِّر للطّرف الآخر عن حبٍّ شبه غائبٍ.

السابق
الطبيعة

اترك تعليقاً